ابن قيم الجوزية

476

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

إلا كما نقص هذا العصفور من البحر . ويكفي أن ما يتكلم به من علمه ، لو قدّر أن البحر ، يمدّه من بعده سبعة أبحر ، مداد ، وأشجار الأرض كلها ، من أول الدهر إلى آخره ، أقلام يكتب به ما يتكلم به مما يعلمه ، لنفذت البحار وفنيت الأقلام ، ولم تنفد كلماته ، فنسبة علوم الخلائق إلى علمه سبحانه كنسبة قدرتهم إلى قدرته ، وغناهم إلى غناه وحكمتهم إلى حكمته . وإذا كان أعلم الخلق به على الإطلاق يقول : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » . ويقول في دعاء الاستخارة : فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علّام الغيوب « 2 » . ويقول سبحانه للملائكة : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) [ البقرة ] ويقول سبحانه لأعلم الأمم ، وهم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) [ البقرة ] ويقول لأهل الكتاب : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ( 85 ) [ الإسراء ] وتقول رسله يوم القيامة حين يسألهم ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ( 109 ) [ المائدة ] . وهذا هو الأدب المطابق للحقّ في نفس الأمر ، فإن علومهم وعلوم الخلائق تضمحل وتتلاشى في علمه سبحانه ، كما يضمحل ضوء السراج الضعيف في عين الشمس ، فمن أظلم الظلم وأبين الجهل وأقبح القبيح وأعظم القحة والجراءة ، أن يعترض من لا نسبة لعلمه إلى علوم الناس ، التي لا نسبة لها إلى علوم الرسل ، التي لا نسبة لها إلى علم ربّ العالمين ، عليه ويقدح في حكمته ، ويظن أنّ الصواب والأولى أن يكون غير ما جرى به قلمه وسبق به علمه ، وأن يكون الأمر بخلاف ذلك . فسبحان اللّه رب العالمين

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 486 ) عن عائشة . ( 2 ) مر سابقا .